
سبعة قوانين لعالم أجمل
نشكل نحن البشر كائن حي واحد، وغشاءٌ رقيقٌ يمتد فوق كوكبٍ شاسعٍ وهشّ؛ حيث تتشارك كل خليةٍ في كل نَفَسٍ من الهواء، وفي كل جرعةٍ من الماء، وفي كل ميكروب، بل وحتى في كل وحدةٍ من المعرفة. لقد صهرتنا شبكاتٌ هائلةٌ من الاتصالات والتجارة في كيانٍ واحد، تماماً كما تربط البروتيناتُ عناصرَ الحياة ببعضها.
نحن البشر.
ولكن مهلاً، فنحن لسنا مجرد خلايا، بل بشرٌ يمثل كلٌ منا عالماً قائماً بحد ذاته. لدينا عائلاتٌ وثقافات، ومعتقداتٌ وأديان. ونحن نُعلي من شأن هذه الفوارق ونعتز بها؛ إذ لولاها لما كان الواحد منا سوى أميبا وحيدة أخرى تطفو بلا هدفٍ فوق أمواج كونٍ يفتقر إلى المعنى. إن التميز أمرٌ حيويٌ وجوهري، ففي هذا الكون، فبكل بساطة، لا حياةَ بلا تنوع.
وهنا تكمن المعضلة: هل بوسعنا بلوغ وعيٍ جديدٍ يتيح لكلٍّ منا الحفاظ على تراثه الفريد، وفي الوقت ذاته العزف بانسجامٍ تامٍّ ضمن الأوركسترا الكبرى للبشرية؟
قد يبدو الأمر أشبه بحكاية خيالية، لولا حقيقةٌ واحدة: إن هذا المسار موجودٌ منذ وُجدنا نحن؛ إنه القاسم المشترك بيننا جميعاً، إذ لم يخترعه أيٌّ منا.
اللادين!
ثمة تعاليم قديمة لا تقتضي وجود دور للعبادة، ولا كهنة، ولا طقوساً للانضمام إليها؛ إذ لا يحتاج المرء إلى التخلي عن تراثه ليعتنقها، بل يكفيه أن يعود إلى الجذور ويغوص في الأعماق ليصل إلى الحقائق الجوهرية الكامنة في صميم كل نظام عقائدي عرفته البشرية، متخلصاً في الوقت ذاته من القشور الخارجية التي ربما شوهت جوهر رسالتها.
ربما تكون قد سمعت بهذه التعاليم التي حفظها الشعب اليهودي وتناقلها عبر آلاف السنين رغم أنها أقدم عهداً من تلك الأمة العريقة نفسها وخلاصتها أن جميع الأديان قد انبثقت من بذرة واحدة وتشترك في جذر واحد.
ووفقاً لهذا الموروث، فإن نوح أب البشرية جمعاء هو من غرس تلك البذرة التي تلقاها كهدية من خالق كل شيء. وتستند هذه التعاليم إلى مجموعة من القوانين التي ورثها نوح عن آدم، ثم جُدِّدت ووُسِّعت لتلائم عصره؛ إنها بمثابة هداية ورسالة سماوية تُرشد البشرية إلى كيفية بناء عالم مستدام لا يواجه الدمار مرة أخرى أبداً.
إنها تعاليمٌ توحّد أصواتاً شتى في تناغمٍ وانسجام؛ فهي تمثّل جوهرها جميعاً، دون أن تنتقص من تفرّد وجمال أيٍّ منها. فالعثورُ على الحقيقة في "فنائك الخاص" لا يعني حرمان الآخرين من امتلاك أفنيتهم؛ بل إن في كل فناءٍ جمرةً متوهجةً من تلك الحقيقة التي عرفها نوح. فلكل شعبٍ حكمتُه وجمالُه الخاصان اللذان قد يفتقر إليهما الآخرون.
وهذا بالضبط ما نقدّمه هنا: دليلاً لاكتشاف الحقائق الكامنة في تقاليدنا الموروثة؛ ففي طيات تلك الحقائق تكمن كل مقوماتنا لنحيا معاً كبشريةٍ متناغمةٍ تحتضن كوكباً سليماً ومعافى.

قوة من عالم آخر
تكمن قوة هذه القوانين السبعة في حقيقة أن أحداً منا لم يبتكرها؛ إذ يمكن القول إنها نابعة من "خارج النظام". وهذا أمر بالغ الأهمية، لأنه كما يعلم الجميع لا يمكن لأي نظام أن يدعم نفسه بنفسه.
تأمل الأمر:
هل يمكنك صنع آلة ذات حركة أبدية؟ لا؛ لأن الآلة لا يمكنها تشغيل نفسها بنفسها.
هل يمكنك بناء نظام منطقي يخلو من الافتراضات المسبقة؟ لا؛ لأن المنطق لا يمكنه تفسير ذاته.
هل تستطيع البشرية تحديد كيفية العيش معاً في سلام ووئام إلى الأبد؟ لا؛ لأننا لم نوجد أنفسنا بأنفسنا. ولتحقيق ذلك، نحن بحاجة إلى الاستناد إلى شيء يتجاوزنا، وشيء أسمى منا بما لا يُقاس.
نحن بحاجة إلى مجموعة من المبادئ التي لا تستند إلى العقل البشري فحسب، بل إلى القدسية الجوهرية للحياة والعدالة. وعليه، إليكم هذه القوانين السبعة التي لا تمثل حقائق نسبية قابلة للتغير بتغير المجتمع، بل هي حقائق مطلقة؛ إنها أرضية صلبة يمكن للعالم أن يرتكز عليها بثبات.
قوانين نوح السبعة

1- تبنى أهمية الوحدانية
يتمثل المبدأ الأول لدى نوح في أن "جوهر الوجود" يكترث لما نفعله ويريد منا شيئاً.
لقد نظر نوح إلى كوكب الأرض ورأى أن كل حياة عليه تنبض بالغاية والمعنى؛ إذ رأى نفسه وأبناءه بمثابة أمناء عليه، ومكلفين بأداء واجب ورسالة.
ولكي تتوافر الغاية، لا بد أن يكون للكون جوهرٌ محوريٌ واحد؛ ألا وهو "جوهر وجود" واعٍ ومُتَعَمِّد، يختار أن يكترث للواقع المنبثق عنه.
لكل ثقافة مسمياتها الخاصة لتلك الوحدة الجوهرية الكامنة وراء الواقع. وثمة أمر يتفق عليه الجميع: نحن لا نتحدث عن كائن -سواء كان مادياً أو روحياً- يمكن معرفته أو تعريفه بأي شكل من الأشكال؛ فهذا الجوهر هو مصدر كل وجود وكل صورة، ولذا فهو في حد ذاته يتسامى فوق كل وجود وصورة. حتى مصطلحات "الوجود" أو "العدم" لا تنطبق عليه.
ومع ذلك، تؤكد التقاليد النوحية أن هذه الوحدة التي يستحيل إدراك كنهها تعنى بواقعنا، وأنه يمكننا التواصل معها عبر الصلاة والأعمال؛ فالواقع ليس وليد الصدفة، بل إن كل تفصيل في الحياة مقصود ومفعم بالغاية والمعنى.
إن هذا الجوهر يتوق لأن يُوجد في كل شيء. ولماذا؟ إنه شغف يفوق حدود العقل؛ فالعقل في نهاية المطاف ليس سوى فكرة أخرى تدعمها وتُبقيها هذه الوحدة الجوهرية.
لقد تحدث ذلك الوعي الجوهري من داخل أوائل البشر؛ فمن خلال صوته، تعلمنا أن أعمال اللطف والرعاية والصلاة والحكمة والاستنارة تضعنا في حالة انسجام مع الكون. وفي المقابل، فإن القتل والسرقة والزنا وسفاح القربى والقسوة المفرطة تجاه الكائنات الحية -وكل ما يرتبط بذلك- أمور تدمر تلك العلاقة. كما أُمرنا بإقامة العدل.
كيف نُسيت هذه القوانين؟ مع مرور الزمن، أصبح الناس يعتمدون أكثر على فهمهم المحدود والضعيف، وبشكل أقل على ذلك الصوت القادم من وراء العالم المادي. لقد أدركوا وجود جوهر أسمى واحد، لكنهم قرروا أن قوى الطبيعة المتعددة تستحق أيضاً أن تُعامل ككائنات واعية وشبه مستقلة. إذ قالوا: "كيف يمكن للمرء أن يخاطب جوهر الوجود؟ وكيف لكائن كهذا أن يكترث لأمرنا؟ نحن بحاجة إلى شيء يمكننا التواصل معه وفهمه".
وهكذا شاعت فكرة مجمع الآلهة المتعددة. ولم يمضِ وقت طويل حتى أُقيمت المعابد لتلك القوى والكائنات العديدة. وسرعان ما ظهرت التماثيل والرموز المادية، ليتسنى للناس تركيز عقولهم وقلوبهم على التأثير في التدفق الكوني. ولاحقاً، ظهر جيل لم يعرف سوى الطقوس الظاهرية، وغاب عنه تماماً المعنى الباطني العميق.
وفي نهاية المطاف، انحدر حال البشرية لدرجة أن عامة الناس لم يعودوا يعرفون سوى الخشب والحجر، معتقدين أنها الآلهة التي تتحكم في حياتهم. أما الباحثون والزهاد الذين عرفوا الحقيقة، فلم يجرؤوا على البوح بها إلا لأقرب مريديهم.
ومع عبادة الأصنام، جاء سقوط الكرامة الإنسانية. ادعى الحكام الألوهية وعاملوا رعاياهم بوصفهم كائنات أدنى مرتبة؛ إذ لم تكن تُقدَّر سوى حياة أولئك الذين عُدّوا مقربين من الآلهة.
إلى أن ظهرت في العالم روحٌ ساميةٌ غيّرت مجرى الأحداث؛ إنه إبراهيم، الذي نشأ هو الآخر في بيئةٍ غارقةٍ في عبادة الأصنام والخرافات السائدة آنذاك. غير أنه تعامل مع هذه الممارسات بجديةٍ وتأمّل في معانيها، ليدرك في النهاية أنها محضُ أباطيل.
وفي غياب معلمٍ يرشده، أدرك أن قوى الطبيعة جميعها تعمل في تناغمٍ وانسجامٍ تام. لقد اختار ألا يربط روحه بالنار أو الشمس، ولا بالسماء أو الرياح، ولا بالأبراج السماوية أو الأرواح الخفية، بل اختار الارتباط بذلك الإله الواحد الذي تبثّ قدرته الحياة في كل تلك المظاهر. ومع مرور الوقت، تبيّن له أن هذه القوة الطبيعية العظيمة ليست سوى تجلٍّ لـ "مصدر الوجود" المتعالي والمطلق، الذي تنبثق منه كل الكائنات.
لقد شكّلت أفكار إبراهيم تهديداً لسلطة الملوك المؤلّهين وكهنتهم المعيّنين؛ إذ تحدّاهم علناً، معلناً أن بوسع أي إنسانٍ أن يتوجه مباشرةً إلى "السلطة العليا" طلباً لتلبية احتياجاته، ونشداناً للرحمة والعدل.
وقد أشار اليونانيون والمصريون القدماء إلى إبراهيم بوصفه حكيماً وعالماً فلكياً عظيماً، كما تعتبره الديانات الكبرى الثلاث أباً لها. وتذهب بعض التعاليم اليهودية إلى أن مفهوم "براهمان" التوحيدي —الذي يبدو وثيق الصلة باسمه— قد استُمدّ من تعاليمه. ولولا قناعته بوجود انسجامٍ يجمع بين متناقضات الطبيعة الكثيرة، لما كان السعي العلمي ممكناً.
بعد رحيل إبراهيم، انحدر العالم مجدداً نحو الظلام. واصل أبناؤه السير على نهجه في عالم معادٍ، لكنهم -وهم يقبعون في عبودية مصر- غرقوا في الزيف، وكادت النبتة التي غرسها إبراهيم أن تذبل وتموت.
عندئذٍ، ظهر مُصلِحٌ ثوريٌ آخر؛ فقد حرّر موسى أبناء إبراهيم وقادهم إلى شبه جزيرة سيناء القاحلة. وهناك، هيّأ مشهداً لالتقاء السماء بالأرض، لكي لا يكتفي الناس بالفهم فحسب، بل ليروا بأعينهم أن الواقع بأسره قائمٌ بفضل كيانٍ واحدٍ يضفي المعنى على الحياة كلها. لقد تلقوا شرائع تهدي مسار حياتهم وحياة أبنائهم من بعدهم، وكُلِّفوا بمهمةٍ سامية: الحفاظ على تعاليم نوح ورسالة إبراهيم، ونشرهما بين كافة الشعوب والأمم أينما قادتهم رحلاتهم.
لقد شكّل جبل سيناء محطةً فاصلةً في تاريخ البشرية. فقبل تلك اللحظة، كانت رسالة إبراهيم مجرد قناعةٍ راسخة لدى رجلٍ واحد، توصل إليها بحدسه الخاص؛ إذ كان إبراهيم رجلاً يتطلع صعوداً ليتصل بالنور السامي. أما في سيناء، فقد كان ذلك "النور اللامتناهي" ذاته هو الذي يمتد نحو الداخل ليلامس البشرية، داعياً إيانا للسماح له بالنفاذ إلى أعماقنا.
يكمن الفارق الجوهري هنا: لم يعد الأساس هو العقل البشري، بل مشيئة ذلك الكيان الذي يتعالى على كل منطق وعقل. فالعقل البشري يوفر أساساً متغيراً ومتقلباً لا يلبث أن ينهار في نهاية المطاف -وهو ما حدث حين ذبلت رسالة إبراهيم بعد رحيله- بينما كان أساس سيناء نابعاً من مصدرٍ يتجاوز حدود الزمان والمكان.
اليوم، يقر أكثر من نصف سكان العالم بإبراهيم أباً لأنظمتهم العقائدية، ومع ذلك، لم تكتمل ثمار رؤية إبراهيم بعد. إننا نقف الآن على أعتاب ذلك الحلم، وما تبقى يعتمد علينا نحن.
2- لا تنكر أهمية الوحدانية
يتمثل المبدأ الثاني من مبادئ نوح في عدم تدنيس تلك الوحدانية بأي شكل من الأشكال.
وبعبارة بسيطة، يعني ذلك عدم سبّ أو لعن من يُدبّر شؤون هذا الكون، أو إنكار وجوده.
ويُعد هذا الأمر أيضاً جزءاً جوهرياً من بناء عالم مستدام للبشرية على كوكبنا؛ فإذا كان هذا التنوع الهائل في أشكال الحياة المحيطة بنا مجرد وليد الصدفة، فلماذا نتكبد عناء تقديم التضحيات اللازمة للحفاظ عليه؟ إن الإقرار بأن لهذا العالم سيداً جعلنا أمناء عليه يُعد خطوة حيوية نحو تحمل مسؤولية بيئتنا على المدى الطويل.
كما أنه جزء أساسي من بناء مجتمع مستدام؛ إذ تكمن الركيزة الأخلاقية للمجتمعات السليمة في ذلك الحدس البشري بوجود معنىً وغاية للحياة، وبأن هذه الغاية تشكل معياراً مطلقاً للخير والشر، وأن الخيار يعود إلينا في السعي لتحقيق تلك الغاية أو عدمه.
إن وجود الغاية يستلزم سياقاً أسمى؛ فكما أن السيارة لا يمكن أن يكون لها غاية دون طريق ووجهة، وكما أن المطرقة لا يمكن أن تؤدي غرضها دون مسمار وهيكل يُبنى، فإن عالمنا والحياة فيه لا يمكن أن يكون لهما غاية دون وعيٍ أسمى يختار للعالم مصيراً ويضفي عليه معنىً.
لكن دون سياق يتجاوز الحياة ذاتها، تغدو الحياة بلا غاية. وحين يُسلب البشرُ غايتَهم، تنهار سريعاً أركانُ منظومتهم الأخلاقية.
إذا انعدم المعنى، تساوت جميع مسارات الحياة في خلوّها من الغاية.
وإذا انعدمت الغاية، أصبحت كل الجهود المبذولة للدفاع عن قيمنا مجرد أضحوكة.
وإذا لم يكن هناك خيرٌ أو شرٌ مطلق، صار تحديد الأخلاق متروكاً لكل فرد ليقرره وفقاً لأهوائه ومصالحه.
وإذا لم نملك حرية الإرادة للاختيار بين الخير والشر، يصبح كل شيء مبرراً؛ إذ لا تعود ثمة حاجة لأي تبرير. فلا وجود لـ "أنا" ارتكبت خطأً ما، بل توجد فقط سلسلة متصلة من "السبب والنتيجة"؛ سلسلة لا تخضع للمساءلة ولا تملك وعياً أو إرادة. كل شيء قابل للحدوث.
وهو ما يحدث بالفعل.
يقدم لنا القرن العشرين نموذجاً عملياً يثبت هذه الحقيقة؛ فعندما تخلى البشر عن سلطة عليا ليعبدوا أصناماً صنعوها بأيديهم، تفشت في أرجاء الكوكب أبشع صور اللاإنسانية، والاستعباد الجماعي، والكراهية، والإبادة الجماعية التي عرفتها البشرية. وتُعد ألمانيا النازية، وروسيا الستالينية، وصين ماو تسي تونغ، وكمبوديا في عهد بول بوت، أمثلةً بارزة -وإن لم تكن الوحيدة- على هذه الحقيقة. لم تكن تلك الأفعال نتاجاً لتصرفات همجية، بل كانت أفعالاً باردة ومحسوبة بدقة، ارتُكبت باسم أيديولوجيات بشرية لا تعترف بوجود الخالق.
وهنا تكمن الأهمية الجوهرية للوصية الثانية من وصايا نوح؛ فهي تخبرنا بأن الإنكار الصريح والفعلي لوجود مُدبِّرٍ واحدٍ لهذا الكون -يتحرك بقصد وغاية- يُعد جريمةً جسيمةً وطائشةً وغير مسؤولة في حق البشرية؛ لأنها تقوّض الأساس الذي يقوم عليه السلوك البشري المسؤول، ألا وهو الإدراك بوجود حقيقةٍ متساميةٍ تتجاوز واقعنا، تمنحنا غايتنا في الحياة، ونكون مسؤولين أمامها عن أفعالنا.

3- صن حرمة الحياة البشرية
يتمثل المبدأ الثالث من قوانين نوح في أن قيمة الحياة البشرية لا يمكن قياسها.
لم يُقَل لنوح ببساطة: "لا تقتل"، بل قُدِّم له سببٌ لذلك: وهو أن الإنسان قد خُلِق على الصورة الإلهية.
وكما أنه من المهم أن ندرك وجود قوة واحدة تقف وراء هذا الكون، فمن المهم أيضاً أن ندرك أن هذه القوة تبث الحياة في كل إنسان. فنحن لسنا مجرد آلات وظيفية مكوّنة من لحمٍ وعظمٍ وتسير على قدمين؛ بل إن كلاً منا يحوي الكون بأسره، ويحمل في داخله جوهر روح الكون ذاتها. وهذا هو ما يُطلق عليه سفر التكوين اسم "الصورة الإلهية".
إن تدمير حياة إنسان واحد يعادل تدمير الكون بأسره؛ لأن هذا الواقع قد توقف عن الوجود بالنسبة لذلك الشخص. ومن ثم، فإن الحفاظ على حياة إنسان واحد يعني الحفاظ على كونٍ كامل.
لم تحدث أي فكرة في التاريخ البشري من الاضطراب والتقدم ما أحدثه هذا المبدأ الجوهري. لقد كان إبراهيم وموسى من أبرز دعاته، إلا أن العالم لم يشهد تحولاً جذرياً لا يمكن التعرف عليه إلا بعد أن عاد هذا المبدأ للظهور في أوروبا قبل خمسمائة عام. إنه يمثل الأساس الذي قامت عليه "وثيقة الحقوق" الأمريكية ودساتير جميع الدول المتقدمة في عصرنا الراهن.

4- احترم قدسية الاستهلاك المعتدل
يتعلق المبدأ الرابع من قوانين نوح بكيفية استغلالنا لحياة عالمنا وموارده.
وقد ورد هذا المبدأ بوضوح في سفر التكوين: "لا تأكلوا لحماً لا تزال فيه روحه". وببساطة، إذا أردنا تناول اللحم، فيجب علينا الانتظار حتى ينفق الحيوان تماماً قبل فصل أي جزء منه للاستهلاك؛ إذ لا يُسمح لنا بالتسبب في معاناة لا داعي لها لأي كائن حي.
ولكن علينا أن ننظر بعمق أكبر إلى جوهر هذه الكلمات: وهو ضرورة احترام حياة ووظيفة كل ما نستهلكه. وهذا الأمر لا يتحقق بشكل مستدام إلا عندما ندرك أن كل حياة لها غاية وهدف، لأنها نتاج وعي واحد، واعٍ وقاصدٍ لكل شيء.
في كل أرجاء الكوكب، تتجلى سيمفونية عظيمة للحياة؛ حيث تدمج الشمس عناصر الأكسجين والكربون والهيدروجين لتمنح الحياة للنباتات والأشجار، وتؤدي كائنات لا حصر لها -سواء كانت تسبح أو تزحف أو تركض أو تطير- أدوارها، إذ تقتات الكائنات الأكثر تعقيداً وذكاءً ووعياً على الكائنات الأبسط منها.
فأي الاتجاهين هو "الأعلى" وأيهما "الأسفل"؟ لا سبيل لتحديد ذلك؛ فالكائنات البسيطة هي التي تمنح الحياة للكائنات الأكثر تعقيداً، ويعتمد كل منها على الآخر، حتى تتضافر جميعاً لتشكل كلاً متكاملاً ومتقناً.
مع كل لقمة نتناولها، ومع كل سعرة حرارية نحرقها، يمكننا أن نختار إما الاستمرار في جرّ بيئتنا نحو مزيد من الفوضى، أو الربط بين السماء والأرض، واصلين بذلك حياة هذا الكوكب بغايةٍ أسمى.
وبما أن مصدر كل الأشياء هو وحدة جوهرية، فإن كل تفصيل في العالم المحيط بنا يعبّر عن وحدةٍ بديعة. وكما يوضح علماء "الكابالا"، يمكن العثور على نورٍ لا نهائي في كل حدث وكل حياة وكل مخلوق، لأن الحقيقة الكامنة في كل شيء هي حقيقة إلهية.
يمتلك البشر القدرة على إظهار تلك الألوهية الكامنة في كل ما هو أرضي وربطها بالنور اللامتناهي؛ غير أننا نملك أيضاً القدرة على فعل العكس، أي التسبب في الشقاق واختلال التوازن. وهنا يكمن التحدي الماثل أمام كل إنسان: أن يختار الانسجام مع روح الكون، وأن يُظهر التناغم الذي يجمع كافة المخلوقات.
ويبدأ هذا الأمر بالإقرار بوجود خالق هذا العالم، وبالشعور بالرهبة والإجلال أمام هذه التحفة العظيمة التي نعيش في رحابها.
وتمتد سلسلة الحياة لتشمل العالم غير المادي أيضاً، فالإنسان يقف بمثابة جسر يربط بين العالمين المادي والروحي. لقد خُلقنا لنعيش وأقدامنا ثابتة على الأرض وقلوبنا متجهة نحو السماء، فنمارس أبسط شؤون الحياة -كالأكل والنوم- بوعيٍ وتأمل، ونتناول طعامنا بعناية واحترام لتلك الحياة التي أتاحت لنا هذا الغذاء. وبهذه الطريقة، نرتقي بالحياة التي نستهلكها درجةً أعلى، ناقلين إياها من الحيز المادي إلى الحيز الروحي.

5- احترم حرمة الملكية الخاصة
يتعلق المبدأ الخامس من قوانين نوح باحترام ممتلكات الآخرين؛ أو بعبارة أخرى: عدم السرقة. غير أن مفهوم السرقة ينطوي على أبعاد أعمق بكثير مما قد تتصور.
لكل منا غاية فريدة في حياته، وتُعد الأشياء التي تدخل حياتنا وتصبح ملكاً لنا ركيزةً أساسيةً لتحقيق تلك الغاية. صحيح أنك لا تستطيع سلب الغاية من حياة أي شخص مهما بلغت قيمة ما تأخذه منه، إلا أن حيازة ممتلكات الغير تصبح عبئاً ثقيلاً يحول دون تحقيق غايتك الخاصة.
عند النظر إلى الأمر من هذه الزاوية، ستدرك أن هناك طرقاً عديدة للسرقة دون الحاجة حتى إلى إخراج يديك من جيبيك. خذ على سبيل المثال ذلك الشخص الذي يحقق تقدماً على حساب الحط من شأن الآخرين؛ أليس هذا أيضاً شكلاً من أشكال الاستيلاء على شيء لا يخصك في الواقع؟ وينطبق الأمر ذاته على السخرية من الآخرين، أو الخوض في سيرتهم ونقل الأقاويل عنهم لمجرد التسلية.
مهما كانت المكاسب التي تحققها في هذه الحياة، احرص على ألا يكون أي منها على حساب الآخرين وبطريقة غير عادلة.

6- تسخير وترويض الرغبة الجنسية لدى الإنسان
يتناول المبدأ السادس من قوانين نوح مسألة توظيف الرغبة الجنسية البشرية والارتقاء بها؛ إذ يحظر هذا المبدأ ممارسات مثل سفاح القربى، والزنا، والاغتصاب، وغيرها من الممارسات الماجنة.
تُعد الحياة الجنسية ينبوع الحياة، ولذا لا شيء يفوق الفعل الجنسي قدسيةً؛ وفي المقابل، لا شيء يمكن أن يكون أكثر حطاً من قدر الإنسان وتدميراً لكيانه من هذا الفعل ذاته.
إن اتحاد الرجل والمرأة هو انعكاس للرقصة الكونية التي تنبثق منها سائر الموجودات؛ فهو اتحاد بين السماء والأرض، والروح والمادة، والنفس والجسد، والطاقة والمادة، والوحدة والتنوع. وحين يتحد الرجل والمرأة في وئام ومودة، يتردد صدى اتحادهما في أرجاء الكون كأغنية تصدح في قاعة فسيحة، وتتجاوب معهما حقائق الوجود كافة وكأنها أوركسترا تعزف مقطوعة كونية مهيبة. إنهما يفيضان بالشفاء والبركة على العالم، تماماً كما يجلبان أرواحاً جديدة تكتسي بنورٍ نقيٍّ وطاهر.
ومع ذلك، وكما هو الحال مع أي فن، فإن تحقيق هذا الانسجام يمثل تحدياً كبيراً؛ فمثلما يتعين على الفنان إتقان حرفته - فيختار الجمال وينبذ القبح - ومثلما يروض الموسيقي أصابعه والراقصة أطرافها، فإن فن الاتحاد الإنساني الأصيل هذا له قواعده وانضباطه الخاص.
وكما يُعد الفن فعلاً يتجاوز حدود الطبيعة البشرية المألوفة، فكذلك هو الزواج؛ فهو ليس مجرد ظاهرة طبيعية، بل هو أسمى من الطبيعة. وبالنسبة للبعض، يتطلب الأمر جهداً يفوق القدرات البشرية المعتادة؛ وهنا تكمن جوهر جمال الجنسانية البشرية: في تلك القدرة على الارتقاء فوق الطبيعة. وعلى المدى البعيد، لا شيء يبعث على الرضا أو يولد من الجمال بقدر هذا الأمر.

7- استحداث آليات لضمان العدالة
يقتضي المبدأ السابع من قوانين نوح أن نضمن إقامة العدل في عالمنا.
لا توجد على وجه الأرض أي كائنات أخرى غير البشر تحتاج إلى محاكم لفرض القانون والنظام؛ فالأسماك تدرك أماكنها في البحار، والطيور تعرف مساراتها في السماء، والحيوانات تلتزم بقوانين ممالكها. أما الإنسان، فهو وحده الذي يحتاج إلى "نوتة موسيقية" تُوضع أمامه كي لا يعزف نشازاً يمزق الانسجام؛ وهو وحده القادر على زعزعة نظام الكوكب بأسره، والخروج عن مسار غايته الخاصة وعن المخطط الإلهي.
إذا كان للخالق غايةٌ من وجود البشر، فلماذا لا يكبح جماحهم بنفسه؟ ولماذا لا يُقيم العدل بنفسه - ولِمَ علينا نحن أن نتدخل في شؤونه؟
ولكن هذا الأمر بالذات هو السبب الكامن وراء حريتنا ومسؤولياتنا؛ فنحن مُهيَّأون لنكون شركاء في عملية الخلق، ويتحقق ذلك -قبل كل شيء- من خلال إرساء العدل وتحقيقه.
لم نُخلق لنقف متفرجين سلبيين أمام الظلم وانعدام المساواة والجور، متقبلين ذلك كقدرٍ محتوم؛ بل خُلقنا لنشعر بالاستياء والغضب، ولنرفع أصواتنا متسائلين أمام خالق كل شيء: "كيف يمكن أن يحدث هذا؟"، ثم لنبادر باتخاذ إجراءٍ حيال ذلك.
إنَّ أيَّ عملٍ -مهما صغر- يُحقِّق العدل لإنسانٍ واحد، يترك أثراً يمتد ليشمل كل إنسانٍ آخر على وجه الأرض؛ فنحن بذلك نعيد الانسجام إلى واقعنا، ونُحاذي به واقعاً أسمى ونظاماً علوياً. وفي ظل هذا النظام، تُعدُّ كل حياةٍ عالماً بحد ذاته، ولا يوجد إنسانٌ بلا قيمة؛ ومن ثم، فإن إقامة العدل لشخصٍ واحدٍ تعني شفاء العالم بأسره.

الهدف
لماذا أصبحت هذه القوانين السبعة بالغة الأهمية في يومنا هذا؟ لأننا نقف اليوم على أعتاب عالم جديد كلياً؛ فكل ما لدينا من تكنولوجيا، وكل ما حققناه من تقدم في مجالي العلم والعدالة الاجتماعية، يدفعنا جميعاً في مسار ثابت نحو عصرٍ بشّر به الأنبياء ووصفه الحكماء: عصرٍ يسوده الحكمة والسلام.
لقد توفرت لدينا المعرفة والقدرة العملية؛ إذ يمكننا توفير الغذاء والتعليم للجميع، كما يمكننا التكاتف معاً في حوار وإبداع مشتركين. لكننا بحاجة إلى أرضية مشتركة؛ لا تلك التي يمكن لأي إنسان أن يرسخها لنا، ولا تلك التي قد تنشأ عن مجرد توافق في الآراء بيننا؛ فتلك ليست سوى طبقة سطحية من ترابٍ عتيق، تذروه الرياح عند أول هبة. بل إن الأرضية المشتركة التي نحتاجها هي تلك التي شُكّلنا منها، والتي تكمن في جوهر الغاية الإنسانية ومعنى الحقيقة والوجود.
وهذا الأمر لا يقع إلا في يد "النور اللامتناهي" الذي صاغ كياننا؛ ذلك النور الذي انبعث منه الصوت الذي سمعه نوح.