سيرته الشخصية
يعتبر الحاخام الأكبر مناحيم مندل شنيرسون، المعروف باسم لوبافيتشر ريبي، طيب الله ذكراه (1902-1994)، الزعيم السابع في سلالة حاباد-لوبافيتش، الشخصية اليهودية الأكثر شهرة في العصر الحديث. بالنسبة لمئات الآلاف من أتباعه وملايين المتعاطفين والمعجبين به حول العالم، كان - ولا يزال، على الرغم من رحيله - ”الريبي“، بلا شك، الشخص المسؤول وبشكل كبير عن إيقاظ الوعي الروحي لليهود حول العالم.
ولد الريبي في عام 1902، في اليوم الحادي عشر من شهر نيسان، في نيكولاييف، روسيا، لوالده الحاخام ليفي يتسحاق، عالم التلمود والكابالا الشهير، ووالدته الربتسين (زوجة الحاخام) خانا شنيرسون. اشتهرت الربيتسين خانا (1880-1964) بثقافتها الواسعة ولطفها وودّيتها الاستثنائية. أصبحت شجاعتها وإبداعها وبراعتها أسطورية عندما عملت جاهدة، أثناء نفي زوجها من قبل السوفييت إلى قرية نائية في روسيا الآسيوية، على صنع الحبر من الأعشاب التي كانت تجمعها من الحقول — حتى يتمكن الحاخام ليفي يتسحاق من مواصلة كتابة تفسيره للكابالا ومواضيع أخرى من التوراة. سمي الريبي تنيمناً بسلفه، الريبي الثالث، الحاخام مناحيم مندل من لوبافيتش، الذي تشارك معه لاحقًا العديد من الصفات.

الحاخام الأكبر (الريبي) مناحيم مندل شنيرسون، رحمه الله خارج المدخل الرئيسي لـ 770
أهمية إنقاذ الحياة
تُروى قصة عن حياة الريبي المبكرة والتي تبدو وكأنها ترمز إلى كل ما سيحدث لاحقاً. عندما كان في التاسعة من عمره، قام الشاب مناحيم مندل بشجاعة بالغطس في البحر الأسود وأنقذ حياة صبي صغير كان قد أبحر في عرض البحر وفقد السيطرة على قاربه الصغير.
يبدو أن هذا الشعور بـأن هنالك"حياة وأرواح الآخرين في خطر" قد سيطر على وعيه؛ شعوره بغرق اليهود وذوبانهم وجهلهم ، دون أن يسمع أحد صرخاتهم طلباً للمساعدة: اليهود في الجامعات، في المجتمعات المعزولة، تحت أنظمة قمعية. منذ طفولته المبكرة، أظهر الريبي ذكاءً خارقاً. وبحلول بلوغه سن الرشد الديني (البار ميتسفا)، كان الريبي يُعتبر عبقرياً في التوراة وقد أمضى سنوات مراهقته منغمساً في دراستها.

صورة للريبي وهو طفل صغير، نيسان 1904
الزواج في وارسو
في عام 1928، تزوج الحاخام مناحيم مندل من ابنة الريبي السادس، الريبتسين خايا موشكا، في وارسو. (وُلدت الريبتسين عام 1901، واختارها والدها، الريبي السادس، لمرافقته في منفاه القسري إلى كوستروما عام 1927. وظلت شريكة حياة الحاخام لمدة ستين عامًا، وتوفيت في10 فبراير عام 1988). درس لاحقًا في جامعة برلين، ثم في جامعة السوربون في باريس. وربما خلال هذه السنوات بدأت معرفته الواسعة بالرياضيات والعلوم تزدهر.

صورة للريبي مأخوذة من جواز سفره الروسي
الوصول إلى الولايات
المتحدة الأميركية
في 23 يونيو عام 1941، وصل الريبي وزوجته إلى الولايات المتحدة، بعد أن نجيا بأعجوبة، بفضل الله، من المحرقة الأوروبية. شكّل وصول الريبي بدايةً لجهودٍ جديدةٍ واسعة النطاق في دعم ونشر التوراة واليهودية عمومًا، والتعاليم الحسيدية خصوصًا، من خلال تأسيس ثلاث منظمات مركزية تابعة لحركة لوبافيتش تحت قيادته: ميركوس لينيوني تشينوخ ("المنظمة المركزية للتعليم اليهودي")، وجمعية كيهوت للنشر، وماخني إسرائيل، وهي وكالة خدمات اجتماعية.
بعد وصوله بفترة وجيزة، وبناءً على إلحاح والد زوجته، بدأ الريبي بنشر تعليقاته وملاحظاته على مختلف الرسائل الحسيدية والكبالية، فضلًا عن مجموعة واسعة من الردود على مواضيع متعلقة بالتوراة. ومع نشر هذه الأعمال، سرعان ما أدرك العلماء في جميع أنحاء العالم عبقريته.


القيادة
بعد وفاة والد زوجته، الحاخام يوسف يتسحاق شنيرسون، عام 1950، تولى الحاخام مناحيم م. شنيرسون قيادة حركة لوبافيتش على مضض، وكان مقرها الرئيسي في 770 إيسترن باركواي في بروكلين، نيويورك. وسرعان ما اتخذت مؤسسات لوبافيتش وأنشطتها أبعادًا جديدة. وتُرجمت فلسفة حباد لوبافيتش الشاملة إلى عملٍ أوسع نطاقًا، حيث افتُتحت مراكز لوبافيتش وبيوت حباد في عشرات المدن والجامعات حول العالم.
أدرك الريبي وبشكل عميق أن كل عمل نقوم به هو جزء من صورة أكبر. فكل عمل صالح نقوم به يُقرّب البشرية من الهدف الأسمى، عصر الكمال الكوني والوعي الشامل بالله، المعروف في اليهودية بزمن المسيح. تحدث الريبي بلا كلل عن هذا الزمن، موضحاً كيف أن العالم يقترب أكثر فأكثر من هذه الحقبة الخاصة وكيف يمكن لكل شخص أن يحققها من خلال زيادة أعمال الخير واللطف.
الوفاة
في بعد ظهر يوم الاثنين (2 مارس 1992)، وبينما كان يصلي عند قبر والد زوجته وسلفه، أصيب الريبي بجلطة دماغية شلّت جانبه الأيمن، وكان الأكثر إيلامًا، أنها أفقدته القدرة على الكلام.
بعد عامين وثلاثة أشهر، توفي الريبي في الساعات الأولى من صباح 12 يونيو 1994، تاركًا وراءه جيلًا كاملًا يتيمًا

التميز والفرادة
بفضل تعاليم الريبي التي دفعتهم للأمام، ومثاله الذي كان بمثابة منارة يُحتذى بها، نمت حركة لوبافيتش بسرعة لتصبح حركة عالمية، وتحمل جميع أنشطتها المختلفة بصمة ورؤية الريبي. فلا عجب أن يتساءل الكثيرون: "ما الذي ميّز قيادته وجعلها فريدة من نوعها؟ ولماذا يكنّ له كبار الشخصيات في عصرنا هذا كل هذا الاحترام والإعجاب العميقين؟"

الماضي، الحاضر والمستقبل
يدرك العديد من القادة متطلبات اللحظة الراهنة، ويستجيبون بشجاعة وتوجيه. هذه هي نقطة قوتهم، وهي نقطة جديرة بالإعجاب. أما آخرون، فرغم أن قوتهم قد لا تكمن في "الاستجابة الفورية" للمشاكل الراهنة، إلا أنهم يتمتعون بقدرة ثاقبة على استشراف المستقبل، إذ يعرفون ما يخبئه الغد وكيفية الاستعداد الأمثل له. بينما يتفوق قادة آخرون في مجال ثالث متميز، وهو امتلاكهم حسًا عميقًا بالتاريخ والتقاليد؛ فنصائحهم وقيادتهم تتشكل من خلال حساسية بالغة تجاه الماضي.
لكن من امتلك هذه الصفات الثلاث جميعها كان فريدًا حقًا، متفردًا في القيادة. هكذا كان الريبي، مصدر الإلهام والقوة الدافعة وراء نجاح لوبافيتش اليوم. كان يشعّ بإحساس قوي بالإلحاح، ويطالب أتباعه بالكثير، بل وأكثر من ذلك من نفسه. كان الريبي يقود، قبل كل شيء، بالقدوة الحسنة.
المبادرة لا ردة الفعل
كان الريبي مزيجًا نادرًا من الرؤية النبوية والقيادة العملية، حيث جمع بين الفهم العميق لاحتياجات الشعب اليهودي الآنية ورؤية واسعة لمستقبله. بمعنى ما، رسم مسار التاريخ اليهودي، فكان مبادرًا، بالإضافة إلى كونه متفاعلًا مع الأحداث الجارية. تميز الريبي برؤية ملهمة وبصيرة نافذة، إلى جانب علمه ومعرفته الغنية، وكانت جميع تصريحاته ومبادراته، قبل كل شيء، متجذرة في التوراة المقدسة. مرارًا وتكرارًا، ما كان واضحًا له في البداية، أصبح جليًا لقادة آخرين بعد عقود من الزمن..


لكلّ شخص دوره الفريد
منذ لحظة وصول الريبي إلى أمريكا عام 1941، برزت براعته في تبني المثل الأعلى التالي: رفضه التام للانقسام والانفصال. فلكل يهودي - بل لكل إنسان - دورٌ فريدٌ يلعبه في الكون، وهو جزءٌ لا يتجزأ من عظمة خلق الله.
على مدى ما يقارب خمسة عقودٍ تقريبًا والتي تعتبر من أهمها في التاريخ الحديث، تجلّى هدف الريبي في مدّ يد العون والمحبة إلى كل ركنٍ من أركان العالم. لم يُستثنَ أيٌّ من أفراد المجتمع - صغارًا وكبارًا، رجالًا ونساءً، قادةً وعامة، علماءً وعمالًا، طلابًا ومعلمين، أطفالًا، حتى الرضع.
كان يتمتع بقدرةٍ فريدةٍ على التواصل مع الجميع على مستواهم الخاص؛ فقد كان يُسدي النصح لرؤساء الدول في قضايا ذات أهميةٍ وطنيةٍ ودولية، ويناقش مع المختصين تعقيدات مجالات خبرتهم، ويتحدث إلى الأطفال الصغار بكلماتٍ دافئةٍ وابتسامةٍ أبوية.
"أطلق إمكاناتك"
بفضل بصيرته الثاقبة وبعد نظره، أدرك الريبي الثروة الكامنة في كل إنسان. إن إلهامه يمكن الوصول إليه من خلال كتاباته ومقاطع الفيديو الخاصة به لتعزيز إدراك الفرد لذاته، إيقاظ الوعي بتلك الثروة الخفية، وتحفيز الرغبة في تحقيق إمكاناته.
وبنفس الطريقة، شهدت العديد من المجتمعات تحولًا جذريًا بفضل رسالة الريبي، ومُنحت - بشكل مباشر أو غير مباشر - إحساسًا جديدًا بالهدف والثقة. وفي كل حالة، يتم نقل الرسالة القوية نفسها، وإن كانت خفية: "لقد منحك الله قوة وطاقة هائلة - حققها!"
